حسن الأمين
55
مستدركات أعيان الشيعة
دخلها الإسلام . فعندها وقف امتداد الإسلام . وعاصمتها « تفليس » ومعناها في اللغة الكرجية « الماء الحار » . وسبب التسمية وجود حمات ( 1 ) في هذه المدينة . وكان جيش « آقا محمد خان » ثمانين ألف جندي بين راجل وفارس . وجيش « هرقل » خمسة عشر ألفا ، منهم ثلاثة عشر ألفا مشاة وألفا فارس . وكان حين عزم على الخروج على « آقا محمد خان » قد استنجد بامبراطورة روسيا « كاترين الثانية » . ولكنها لم تنجده لأسباب سياسية وعسكرية وشخصية . وكان بين جنده فرقة من « الشركس » ، وكانت هذه الفرقة عمدة جيشه شجاعة ومهارة في المحاربة . وإذ كانت « تفليس » بلا سور فقد خرج « هرقل » إلى ملاقاة « آقا محمد خان » على بعد ستة فراسخ من « تفليس » . وفي صباح السابع والعشرين من شهر صفر سنة 1210 أو 1211 ه . استفتح « آقا محمد خان » بالقرآن فجاء مضمون الآية مبشرا بالنصر ( 2 ) ، فسره ذلك وأيقن أنه منتصر لا محالة . ووقعت معركة دامت من الصباح إلى العصر ، إذ بدت بوادر الضعف على جيش « هرقل » . عندئذ أمر « آقا محمد خان » بهجوم شامل عليه ، فما حل الغروب حتى كانت الحرب قد انتهت بانهزام الجيش الكرجي وتشتته . وكان بين جنود « هرقل » ألفان من الشركس لم يعد منهم أحد ، إذ كان كل منهم يثبت لا يفر ولا يتراجع حتى يقتل أو يقع جريحا أو يؤسر . وفر « هرقل » وعائلته إلى خارج « كرجستان » . ولم يستطع « آقا محمد خان » أن يدفن قتلى جيشه لحلول الظلام ، فأجل ذلك إلى الصباح . وفي الصباح وجد أن الضباع قد أكلت من أجساد جماعة منهم . ثم سار « آقا محمد خان » قاصدا إلى « تفليس » . وقبيل وصوله إليها تلقاه سبعون رجلا من أعيانها ، وأعلموه بأنهم يجعلون مدينتهم مدينة مفتوحة وأن أهلها يلقون إليه السلام لا يقاومونه . ومع أن التقاليد الحربية ما زالت تقضي ، قديما وحديثا ، بان يكف الجيش الفاتح الأذى عن البلدان التي تعلن مفتوحة ، فان « آقا محمد خان قاجار » لما دخل إلى « تفليس » أمر جنده بإيقاع مذبحة عامة بأهلها ونهبها . وأمر بضرب أعناق الأعيان السبعين الذين وفدوا عليه لاعلان « تفليس » مدينة مفتوحة . وانطلق جنوده يقتلون كل من يقع في أيديهم ، واستحيوا الشبان لاسترقاقهم . وهذه أمور اعترف بها مؤرخو العهد القاجاري من الإيرانيين أنفسهم . وانطلق « آقا محمد خان » من « تفليس » إلى سائر مدن « كرجستان » فاحتلها بلا مقاومة . ثم اجتاز نهر « أرس » إلى صحراء « مغان » . ولما أراد متابعة السير إلى طهران بلغه أن وباء « الكوليرا » قد وقع فيها . فعدل عنها إلى « طالش » ، ومنها إلى « جيلان » و « مازندران » . وفي نهاية فصل الخريف ارتفع الوباء فعاد إلى طهران . وفي تلك السنة قرر أن يتوج في فصل الربيع بعد انقضاء فصل الشتاء . تتويج آقا محمد خان قاجار رسم « آقا محمد خان قاجار » شكل التاج الذي يريده لنفسه بيده . وجعله ثلاث طبقات شبيها بتاج البابا . واستدعى بعض الصاغة وتجار الجواهر من أصفهان و « كرمانشاه » وطهران وأمرهم بصياغة التاج على الشكل الذي رسمه . ونظر الصاغة في الرسم وحسبوا ما يلزم للتاج من الذهب فتبين لهم أن مقداره يبلغ خمسة عشر منا ، أي ما يعادل خمسة وأربعين كيلو غراما من الذهب . وهو ثقل لا يستطيع الرأس حمله . فرسم الخصي القاجاري شكلا آخر قدروا وزنه بمن ونصف المن ، أي ما يعادل أربعة كيلو غرامات ونصف الكيلو غرام . وإذ كان « آقا محمد خان » امرأ عمليا فقد صنع « كلاها » ثقيلا يزن هذا المقدار ، وجعل يعتمر به كل يوم مدة ليمرن رأسه على القدرة على النهوض بثقل التاج يوم التتويج . وأمر جماعة من الخياطين باعداد قباء له منسوج بالذهب مرصع بالزمرد والماس واللؤلؤ . واختلفت الروايات في تاريخ تتويجه . فمنهم من قال إنه توج في أواخر سنة 1209 ه . ومنهم من قال يوم عيد النوروز سنة [ 1910 ] 1174 ه . ومنهم من قال بعد ثلاثة عشر يوما من النوروز من تلك السنة ومنهم من قال في أول الشهر الثاني من فصل الربيع من تلك السنة . وأقيمت حفلة التتويج في قلعة طهران ، وهي قلعة بناها « كريم خان زند » . جلس « آقا محمد خان قاجار » على العرش ووضع التاج على رأسه . وظل مدة ساعة في مجلسه وهو ممسك بصولجان مرصع ، وقصف إطلاق المدافع متواصل ، والطبول والأبواق تعزف عند باب القلعة ، على حين تذبح الأضاحي من الغنم عشرة عشرة ، عن كل سنة من سنوات عمره عشرة رؤوس من الغنم ، وتطهى في المطابخ الملكية . وتناول الطهرانيون طعام يومهم ذاك من مطبخ « آقا محمد خان قاجار » . وأنعم على الأعيان الذين حضروا مراسم التتويج بنقود من الذهب . السفر إلى مشهد حين كان الصاغة والخياطون مشغولين باختيار ما يناسب تاج « آقا محمد خان » وقباءه من الجواهر جرى حديث عن الجواهر التي حملها « نادر شاه أفشار » من الهند . وذكر أن هذه الجواهر في حوزة حفيده « شاه رخ شاه » الأعمى المالك على خراسان . وأن من هذه الجواهر ما لا يقدر بثمن لنفاسته . فأرسل « آقا محمد خان قاجار » رسالة ودية إلى « شاه رخ شاه » يطلب منه إعارته هذه الجواهر لأجل حفلة تتويجه على أن تعاد إليه بعد التتويج . ودعاه أيضا إلى حضور حفلة التتويج . فأجابه « شاه رخ شاه » بان لا شيء من جواهر « نادر شاه » عنده وأن الجميع يعلمون أن ما كنزه « نادر شاه » من ذهب وجوهر في « كلات » قد نهب كله بعد قتله . وأما حضوره حفلة التتويج فقال إنه غير قادر عليه ، معتذرا بعماه . وقد قبل « آقا محمد خان » عذر « شاه رخ شاه » عن عدم الحضور . ولكنه لم يقبل ما قاله عن جواهر « نادر شاه » ، وظل مؤقنا بان هذه الجواهر
--> ( 1 ) الحمات جمع حمة ( بفتح الحاء وتشديد الميم ) : العين الحارة الماء . ( 2 ) الظاهر من المعنى الذي ذكره جان غوره للآية أنها آية * ( « ومن ينصر الله فلا غالب له » .